نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
13
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
( وقال حاتم الأصم ) رحمه اللّه تعالى : أربعة لا يعرف قدرها إلا أربعة : قدر الشباب لا يعرفه إلا الشيوخ ، وقدر العافية لا يعرفه إلا أهل البلاء ، وقدر الصحة لا يعرفه إلا المرضى ، وقدر الحياة لا يعرفه إلا الموتى . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه : هذا موافق للخبر الذي ذكرناه : اغتنم خمسا قبل خمس وروي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال : كان أبي كثيرا ما يقول : إني لأعجب من الرجل الذي ينزل به الموت ومعه عقله ولسانه فكيف لا يصفه ؟ قال : ثم نزل به الموت ومعه عقله ولسانه فقلت : يا أبت قد كنت تقول : إني لأعجب من رجل ينزل به الموت ومعه عقله ولسانه كيف لا يصفه ؟ فقال : يا بني الموت أعظم من أن يوصف ولكن سأصف لك منه شيئا ، واللّه كأن على كتفي جبل رضوى ، وكأن روحي تخرج من ثقب إبرة ، وكأن في جوفي شوكة عوسج ، وكأن السماء أطبقت على الأرض وأنا بينهما ، ثم قال : يا بني إن حالي قد تحوّل إلى ثلاثة أنواع : فكنت في أوّل الأمر أحرص الناس على قتل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيا ويلتاه لو مت في ذلك الوقت ثم هداني اللّه تعالى للإسلام ، وكان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أحب الناس إليّ وولاني على السرايا فيا ليتني مت في ذلك الوقت لأنال دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصلاته عليّ ثم اشتغلنا بعده في أمر الدنيا ، فلا أدري كيف يكون حالي عند اللّه تعالى ، فلم أقم من عنده حتى مات رحمه اللّه . قال شقيق بن إبراهيم : وافقني الناس في أربعة أشياء قولا وخالفوني فيها فعلا . أحدها : أنهم قالوا : إنا عبيد اللّه تعالى ويعملون عمل الأحرار ، والثاني : قالوا : إن اللّه كفيل لأرزاقنا ولا تطمئن قلوبهم إلا مع شيء من الدنيا ، والثالث قالوا : إن الآخرة خير من الدنيا وهم يجمعون المال للدنيا ، والرابع قالوا : لا بدّ لنا من الموت ويعملون أعمال قوم لا يموتون . وروي عن أبي الدرداء وفي بعض الأخبار عن أبي ذر وفي بعض الأخبار عن سلمان الفارسي رضي اللّه تعالى عنهم ، والمعروف عن أبي ذر قال : ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني ، وثلاث أحزنتني حتى أبكتني . فأما الثلاث التي أضحكتني فأوّلها : مؤمل الدنيا والموت يطلبه : يعني يطيل أمله ولا يتفكر في الموت ، والثاني : غافل وليس بمغفول عنه يغفل عن الموت وبين يديه القيامة ، والثالث : ضاحك ملء فيه لا يدري اللّه ساخط عليه أم راض عنه . وأما التي أبكتني ففراق الأحبة : يعني موت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه رضي اللّه عنهم ، والثاني : هول المطلع : يعني نزول الموت ، والثالث : الوقوف بين يدي اللّه لا أدري إلى أين يأمر بي ربي إلى الجنة أم إلى النار . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لو تعلم الحيوانات » أي البهائم « ما تعلمون من الموت ما أكلتم لحما سمينا أبدا » وذكر عن أبي حامد اللفاف أنه قال : من أكثر من ذكر الموت ، أكرم بثلاثة أشياء : تعجيل التوبة ، وقناعة القوت ، ونشاط العبادة . ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء : تسويف التوبة ، وترك الرضا بالكفاف ، والتكاسل في العبادة .